على إيقاع عسكري وسياسي صاخب.. سوريا تستعيد نفطها

على إيقاع عسكري وسياسي صاخب.. سوريا تستعيد نفطها -- Jan 19 , 2026 14

بدأت سوريا رسمياً، رحلة تعافٍ نفطي عسيرة على إيقاع عسكري وسياسي سريع وصاخب. وترافق الإنجاز الميداني للجيش العربي السوري في اليومين الماضيين بحربه التحريرية ضد قوات "قسد"، مع إنجاز نوعي على صعيد استعادة حقول النفط والغاز إلى أحضان الدولة السورية، بعد سنوات من استيلاء " قسد" عليها، وانتزاعها من سيادة سوريا خلال حقبة نظام بشار الأسد.

وبشّر وزير الطاقة السوري محمد البشير باستلام الدولة مرافق استراتيجية على خلفيّة تقدم الجيش العربي السوري غرب نهر الفرات، قبل أن يوقع الرئيس السوري أحمد الشرع اتفاق وقف إطلاق النار مع "قسد".

وأكد مدير إدارة الاتصال المؤسساتي في الشركة السورية للبترول (SPC) صفوان شيخ أحمد، أنه تمت استعادة حقول النفط والغاز في دير الزور، لافتاً إلى أن مجمع الثورة النفطي بات أيضاً تحت السيطرة الكاملة، عقب سيطرة الجيش السوري على منطقة دير حافر وريف الرقة الجنوبي الغربي.

‏وأوضح شيخ أحمد أن الشركة قامت منذ الساعات الأولى لانطلاق معارك التحرير بإحداث غرفة عمليات طارئة لمتابعة واقع الحقول النفطية، واتخاذ الإجراءات اللازمة لضمان سلامتها واستمرارية العمل فيها، وفقاً لوكالة الأنباء السورية .

أما أبرز الحقول النفطية والغازية التي بسط الجيش العربي السوري سيطرته عليها في محافظة دير الزور، فهي حقل العمر الاستراتيجي، إضافة إلى حقل التنك، وحقول كونيكو، وحقل الجفرة، وحقل العزبة، وحقول طيانة، جيدو، مالح وأزرق.

وتجري حاليًا متابعة الأوضاع الميدانية، بانتظار استكمال بسط الأمن في هذه الحقول من قبل الجيش العربي السوري، تمهيدًا لمتابعة عمليات التشغيل والإنتاج من قبل الجهات المختصة وفق الأطر الفنية المعتمدة.

‏وفي السياق، كان قد تم صباح السبت الفائت إبلاغ الشركة السورية للبترول من قبل الجيش العربي السوري، باستلام حقلي الرصافة وصفيان، وجرى توجيه فرق حماية الحقول لتأمين المواقع، والتواصل مع الفنيين المختصين لمتابعة الجاهزية الفنية.

منظومة متكاملة

‏ووفقاً لـ"السورية للبترول" تُعد الحقول العائدة إلى عهدة الشركة من النقاط الاستراتيجية والحيوية في خارطة الطاقة السورية، إذ لا يُنظر إلى حقل الثورة كبئر منفصلة، بل كمركز ثقل إداري ولوجستي يربط مجموعة من الحقول المنتشرة في البادية السورية، من بينها حقل وادي عبيد الذي يُعد من الروافد الأساسية للمجمع، وحقل البشري الذي يشكل حلقة وصل مهمة بين ريف الرقة وريف دير الزور، إضافة إلى حقل صفيان الذي يمثل نقطة ربط محورية قريبة من الطريق الدولي.

‏وتلفت الشركة إلى أن العملية الإنتاجية في هذه الحقول لا تقتصر على الاستخراج، بل تمر بدورة لوجستية متكاملة، حيث يتم نقل النفط الخام إلى محطة العكيرشي لإجراء عمليات الفصل الأولي للمياه والأملاح والشوائب، ولا سيما في ظل تضرر بعض شبكات الأنابيب، ما يستدعي الاعتماد حالياً على صهاريج النقل.

يُشار إلى أن إنتاج الحقول المذكورة بلغ خلال كانون الأول 2024 نحو 2500 برميل يومياً. ومن المقرر أن تُضاف هذه الكمية إلى الإنتاج اليومي الحالي البالغ نحو 10 آلاف برميل.

كونيكو علامة فارقة

ونقف قليلاً عند حقل كونيكو الشهير، وهو حقل نفط وغاز في محافظة دير الزور، ويعرف محلياً باسم معمل غاز الطابية، لأنه يقع على رأس حقل غاز الطابية، وتُقدر قدرته الإنتاجية بحوالي 13 مليون متر مكعب من الغاز الطبيعي يومياً.

وترجع تسميته "كونيكو" للشركة التي جرى انشاؤها لبناء المحطة في عام 2000، وهي شركة Conoco Syrian DEZ Gas Ltd (كونيكو السورية المحدودة للغاز) أو اختصاراً CSDGL.

وأُطلق على الحقل اسم "مشروع كونيكو السورية المتكامل للغاز" بعد فوز شركة كونيكو السورية المحدودة للغاز بعقد البناء والتتشغيل والنقل من الشركة السورية للغاز المملوكة للدولة، والذي كانت مدته خمس سنوات، ويهدف إلى تسليم المصنع الجاهز والمشغل إلى شركة الغاز السورية، وهو ما جرى في 2005.

وسيطرت ما تسمى " قوات سوريا الديمقراطية" على الحقل في أيلول 2017، ولا يزال تحت سيطرتها حتى تحريره أمس على يد قوات الجيش العربي السوري مع مجموعة أخرى من آبار النفط والغاز.

استعادة شريان اقتصادي

في تعليقه على الحدث بتطوراته المتعلقة بالبعد الطاقي، يرى الأستاذ الجامعي والخبير الاقتصادي في شؤون الطاقة الدكتور زياد أيوب عربش، أن استعادة عدد من الحقول النفطية في منطقة دير الزور، تطوي 15 عاماً من خروج أهم مورد للاقتصاد السوري من سيطرة الدولة، والتي كانت تماثل بحجم أهميتها أثر العقوبات. فانقطاع الإمداد الداخلي من الخام لمصفاتي حمص وبانياس، وتوقف التصدير بشكل كلي، كان يعني حرمان سورية من أهم مورد للقطع وحاجتها الماسة لاستيراد النفط والغاز والمشتقات.

ويلفت أستاذ اقتصاديات الطاقة في تصريح لـ"المدن" ُإلى أن العديد من الآبار تعرّضت لاستخراجات جائرة، وبعضها "قُشِطَتْ" منها كميات كبيرة دون احترام قواعد الإنتاج، ما أفقدها الضغط الداخلي، ما يتطلب إعادة تقييم الاحتياطي القابل للإنتاج فنياً واقتصادياً. ثم تأتي إعادة هيكلة البنية التحتية للترحيل (بالصهاريج أو بالأنابيب الفرعية)، وفي المرحلة الثانية تبدأ عمليات التوسع واستقدام الشركات الدولية لزيادة كميات الاحتياطي القابل للاستخراج وبالتالي الإنتاج.

أهمية اقتصادية وسيادية

يُثمّن د. عربش استعادة مجمع الثورة النفطي وحقول دير الزور (كافة حقول المنطقة الشرقية)، ويؤكد أنها تمثل خطوة حاسمة لتعزيز سيادة الدولة ودعم الاقتصاد، خاصة مع إنتاجها السابق لثلث النفط السوري (حوالي 130 ألف برميل يومياً قبل الثورة)، وتشكل 70 في المئة من الاحتياطيات النفطية السورية (2.5 مليار برميل).

ويضيف: هذه الحقول ستساهم في تمويل التعافي الوطني وتخفيف الضغوط المعيشية عبر تحسين إنتاج الطاقة، ما يعزز السيطرة على الموارد الاستراتيجية، ويقلل الاعتماد على الاستيراد، ويحسن الميزان التجاري بنسبة ملحوظة، خاصة مع انخفاض الليرة بنسبة 98 في المئة مقارنة بعام 2011. اقتصادياً، ستدعم عائداتها إدارة قطاع الطاقة وتمويل إعادة الإعمار مع توزيع عادل، ما يسمح نظرياً بتخفيف الفقر والبطالة، إذا أحسنت إدارة العوائد المالية.

متطلبات ولوازم

على مستوى المتطلبات والتحديات لرفع الإنتاج، يرى عربش أنه يفترض رفع الإنتاج وصيانة البنية التحتية القديمة، وإجراء استثمارات فنية، وإعادة تأهيل الآبار. لكن نقص التكنولوجيا واللوجستيات المتضررة من الحرب، إضافة إلى تقييمات غير سليمة، من دون التركيز على حلول إصلاحية لزيادة الكفاءة تدريجياً، يعني عدم الاستفادة المثلى. لذلك، لابد من صياغة خطة محكمة تركز على أمثل الطرق للإنتاج، مع النظر في التأثير البالغ على الميزان التجاري، حيث ستقلل استعادة حقول الرقة ودير الزور فاتورة الاستيراد، وتحسن سعر الصرف، وتحفز القطاعات الزراعية والصناعية عبر توفير طاقة رخيصة، ما يعزز التصدير والنمو الاقتصادي.

وبما يخصّ انعكاس التطورات الجديدة على الحالة المعيشية للمواطن السوري، يرى عربش أن هذه الاستعادة ستساهم في تحسين الحالة المعيشية بعد تحسين إمدادات الكهرباء والوقود، وهذا ما يدعم الصناعة والنقل، ويؤدي لاحقاً إلى تخفيض التكاليف المعيشية للمواطنين مع انتعاش الإنتاج المحلي وزيادة الدخل الوطني.

ناظم عيد - المدن

أقرأ أيضاَ

ثروات المليارديرات تنمو خلال نومهم.. 6 آلاف دولار كل 20 دقيقة!

أقرأ أيضاَ

إعادة تشكيل خرائط النفط